أحمد بن علي القلقشندي

21

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأحلَّوه به غير مقصّرين عنه ، بعد أن لا يكون عليهم في الذي يأتون به حجّة ، ولا يعترضهم في وجوبه شبهة : فإنّ الواجب ( 1 ) في الحدود أن تقام بالبيّنات ، وأن تدرأ بالشّبهات ؛ فأولى ما توخّاه رعاة الرّعايا فيها أن لا يقدموا عليها مع نقصان ، ولا يتوقّفوا عنها مع قيام دليل وبرهان . ومن وجب عليه القتل احتاط عليه بما يحتاط به على مثله : من الحبس الحصين ، والتوثّق الشديد ؛ وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره ، وشرح جنايته ، وثبوتها بإقرار يكون منه ، أو بشهادة تقع عليه ، ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه ، فإنّ أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهد إلا ما أحاط به علما ، وأتقنه فهما ، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالطها شكّ ، ولا يشوبها ريب . ومن ألمّ بصغيرة من الصغائر ، ويسيرة من الجرائر ، من حيث لم يعرف له مثلها ، ولم تتقدّم منه أختها ، وعظه وزجره ، ونهاه وحذّره ؛ واستتابه وأقاله ، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه ، وجزاء له ؛ فإن عاد تناوله [ من ] التقويم والتهذيب ، والتّعزير ( 2 ) والتأديب ؛ بما يرى أن قد كفى فيما اجترم ، ووفى بما قدّم ؛ فقد قال تعالى : * ( ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * ( 3 ) وأمره أن يعطَّل ما في أعماله من الحانات والمواخير ، ويطهّرها من القبائح والمناكير ؛ ويمنع من تجمّع أهل الخنا فيها وتألَّف شملهم بها : فإنه شمل يصلحه التّشتيت ، وجمع يحفظه التفريق ؛ وما زالت هذه المواطن الذّميمة والمطارح الدّنيئة ، داعية لمن يأوي إليها ، ويعكف عليها ؛ إلى ترك الصلوات ؛ [ وإهمال المفترضات ] ( 4 ) وركوب المنكرات ، واقتراف المحظورات ؛ وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها للَّه تعالى مغضبة ، وفي إخرابها للخير مجلبة ؛ واللَّه تعالى يقول لنا

--> ( 1 ) في مآثر الإنافة : « المستحب » ولعله خطأ . فإقامة الحدود بالبينات هي من الواجبات وليس من المندوبات . ( 2 ) في مآثر الإنافة : « والتغريب » . ( 3 ) البقرة / 229 . ( 4 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن رسائل الصابي والمثل السائر .